محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
162
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
عرف البواطن فمن خادعه فإنّما يخدع نفسه . قال عطاء عن ابن عبّاس : يخادعون اللّه وهو علّام الغيوب ، وما يخدعون إلّا أنفسهم ؛ لأنّه سبحانه يعلم ما يكون قبل أن يكون . وروي عن عليّ - رضي اللّه عنه - في حقّ عمر بن الخطّاب - رضي اللّه عنه - : « هو أفطن من أن يخدع وأكرم من أن يخدع . » 445 واختلف القرّاء في قوله : وَما يَخْدَعُونَ . فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بالألف 446 ؛ وقرأ أبو جعفر وعاصم وحمزة والكسائي بغير ألف . فمن قرأ بالألف فكأنّه على مطابقة اللفظ لما تقدّمه ؛ ومن قرأ بغير ألف وهو اختيار ( 67 آ ) أبي عبيد فهو ظاهر المعنى ؛ وقد قيل : إنّ هذا الفعل لمّا كان أغلبه لا يقع إلّا بين فاعلين أجري على العادة في مثله ، فقال : وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ . وقوله وَما يَشْعُرُونَ أي وما يعلمون أنّهم هم المخدوعون وخداعهم يرجع عليهم بالعذاب ؛ وقيل : وما يعلمون أنّهم مغلوبون ؛ وقيل : ما يشعرون أنّ اللّه تعالى يطلع نبيّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - على أسرارهم ؛ والشعر ضرب من العلم ، والشعور الإدراك . [ الأسرار ] إنّ اللّه تعالى لمّا بيّن حال المنافقين أنّهم يقولون : آمنّا باللّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ، أبان أنّ فعلهم ذلك خداع ، وأنّ وبال خداعهم عليهم ؛ وذلك يضرّهم ولا ينفعهم ؛ وربّما لم يقصدوا مخادعة اللّه لكن لمّا قصدوا مخادعة النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - فقد خادعوا اللّه ، كما أنّ من يطع الرسول فقد أطاع اللّه ، والرسول إذ كان نائبا عن اللّه فمن خادعه فقد خادع اللّه ، ومن آذاه فقد آذى اللّه ، ومن حاربه فقد حارب اللّه ، كما أنّ من نصره فقد نصر اللّه ، ومن أحبّه فقد أحبّ اللّه ، ومن بايعه فقد بايع اللّه ؛ وعلى هذا المنهاج تجري أمثال هذه الألفاظ ؛ وكثيرا ما نجد في القرآن من فعل فعله رسول اللّه قد أضافه اللّه إلى نفسه ، وقال : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ، ومن فعل فعله اللّه أضافه إلى رسوله ، قال : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي . وقال في حقّ إبراهيم - عليه السلام - فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ الآية ؛ ولهذا صحّ أن يقال من لم يقل : « محمّد رسول